فخر الدين الرازي

172

تفسير الرازي

الحكم الأول : قال الجبائي في الآية دلالة على أنه تعالى لا يعذب الأطفال بكفر آبائهم ، وإلا لكان الطفل مؤاخذاً بذنب أبيه ، وذلك على خلاف ظاهر هذه الآية . الحكم الثاني : روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الميت ليعذب ببكاء أهله " فعائشة طعنت في صحة هذا الخبر ، واحتجت على صحة ذلك الطعن بقوله تعالى : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * فإن تعذيب الميت بسبب بكاء أهله أخذ للإنسان بجرم غيره ، وذلك خلاف هذه الآية . الحكم الثالث : قال القاضي : دلت هذه الآية على أن الوزر والإثم ليس من فعل الله تعالى . وبيانه من وجوه : أحدها : أنه لو كان كذلك لامتنع أن يؤاخذ العبد به كما لا يؤاخذ بوزر غيره . وثانيها : أنه كان يجب ارتفاع الوزر أصلاً ، لأن الوزر إنما يصح أن يوصف بذلك إذا كان مختاراً يمكنه التحرز ، ولهذا المعنى لا يوصف الصبي بهذا . الحكم الرابع : أن جماعة من قدماء الفقهاء امتنعوا من ضرب الدية على العاقلة ، وقالوا : لأن ذلك يقتضي مؤاخذة الإنسان بسبب فعل الغير ، وذلك على مضادة هذه الآية . وأجيب عنه بأن المخطئ ليس بمؤاخذ على ذلك الفعل ، فكيف يصير غيره مؤاخذاً بسبب ذلك الفعل ، بل ذلك تكليف واقع على سبيل الابتداء من الله تعالى . المسألة الثالثة : قال أصحابنا وجوب شكر المنعم لا يثبت بالعقل بل بالسمع ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ) * وجه الاستدلال أن الوجوب لا تتقرر ماهيته إلا بترتيب العقاب على الترك ، ولا عقاب قبل الشرع بحكم هذه الآية ، فوجب أن لا يتحقق الوجوب قبل الشرع . ثم أكدوا هذه الآية بقوله تعالى : * ( رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) * ( النساء : 165 ) وبقوله : * ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) * ( طه : 134 ) . ولقائل أن يقول : هذا الاستدلال ضعيف ، وبيانه من وجهين : الأول : أن نقول : لو لم يثبت الوجوب العقلي لم يثبت الوجوب الشرعي البتة ، وهذا باطل فذاك باطل بيان الملازمة من وجوه :